الفصل الرابع

الواجبات في الإسلام

 

ان مبررات الحديث عن الواجبات – ونحن بصدد الحديث عن حقوق الانسان – كثيرة، وسنجملها اولا ثم نفصلها واحداً تلو الآخر.

1 – ان كل حق لانسان يقابله واجب على إنسان آخر أو على الدولة بعمل أو بالامتناع عن عمل.

2 – ان الحق – أو بتعبير ادق الحرية – قد يكون في بعض الحالات واجباً على صاحب الحق – أو الحرية – نفسه.

3 – ان الامر الواحد قد تجري عليه الاحكام الخمسة وفقا للظروف المختلفة المحيطة به.

4 – ان ولي الامر يملك نقل الحكم بين الاباحة والوجوب والتحريم.

ولا يتسع المجال لبحث الاحكام التكليفية فمكانها معروف من كتب اصول الفقه، ونكتفي هنا ببيان موجز عن الواجب غير المقدر، ثم ببيان موجز آخر عن الواجب الكفائي، ثم نشرع في بحث الأمور الاخرى :

أ _ الواجب غير المقدر :

ينقسم الواجب من حيث تقديره إلى قسمين :

واجب له حد محدود، وواجب غير مقدر بحد محدود.

1 – فاما المحددة المقررة فلازمة لذمة المكلف، مترتبة عليه دينا حتّى يخرج عنها كأثمان المشتريات وقيم المتلفات ومقادير الزكوات وفرائض الصلوات وما اشبه ذلك. فلا اشكال في ان مثل هذا مترتب في ذمته دينا عليه. والدليل على ذلك التحديد والتقدير، فانه مشعر بالقصد إلى أداء ذلك المعين فإذا لم يؤده فالخطاب باق عليه، ولا يسقط الا بدليل.

2 – واما غير المحددة فلازمة له، وهو مطالب بها، غير انها لا تترتب في ذمته. ومثالها الصدقات المطلقة وسد الخلات ورفع حاجات المحتاجين واغاثة الملهوفين وانقاذ الغرقى والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدخل تحتها سائر فروض الكفايات.

وبذلك يكون على القادر على الانفاق واجبان: واجب الزكاة وهي مقدرة بنسبة معينة، والواجب الثاني عطاء غير مقدر إذا توافرت اسبابه وتعين هو لادائه، وهذا مضمون قوله تعالى: "ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة" وهنا نجده سبحانه جمع بين وجوب الزكاة ووجوب ايتاء المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين، والأول منها واجب مقدر والثاني واجب غير مقدر.

مثال آخر :

هو نفقة الاقارب، فانها واجب غير مقدر قبل القضاء بها، لان الأساس فيها سد حاجة قريبه الفقير بمقدار ما تتسع له طاقة من تجب عليه نفقته، وما يسد الضروري من حاجات القريب الفقير.

وان نفقة الزوجية قبل تقديرها أو الحكم بها من هذا القبيل، لأن الاصل في وجوب نفقة الزوجية هو التمكين من المسكن والملبس والمطعم، وذلك ليس بمقدر ، وإذا انتقل الوجوب من التمكين إلى التقدير تصير مقدرة.

وقد قالوا ان الواجب المقدر إذا كان مالياً يكون دينا في الذمة، إذا لم يؤده في وقته، فالزكاة تكون دينا في الذمة إذا لم تؤد في ميقاتها على خلاف بين الفقهاء في مرتبتها مع ديون العباد، وفي أدائها من التركة إذا مات من غير ان يؤديها، وكذلك النفقة إذا قررت تكون دينا في الذمة، وإذا لم تقدر لا تثبت دينا في الذمة عند ابي حنيفة واصحابه، ولكن جمهور الفقهاء قرروا انّه إذا ثبت انّه لم يؤد لها نفقتها من غير حق في الامتناع فانه يجب ان يدفع بدلها، لا على ان ذلك حق مقدر في الذمة، بل على انّه تعويض لما فاتها من حق، ولذلك ينسحب تقدير القاضي على الماضي، وتسمية القانون لها بأنها دين فيه تسامح.

ولا يسوغ لنا ان نقول: ان الحق كان مقدرا قبل القضاء أو التقدير ، لان اساسها كان دفع الحاجة بما يليق بمثله، وليس ذلك تقديرا.

ولا تخفى اهمية هذا المبحث فيما نحن بصدده من حقوق الإنسان ، فبعض هذه الحقوق من النوع غير المقدر، ولا ينقص ذلك من درجة وجوبه، كما لا تتعذر توفيته إما عينا بما يليق وإما نقداً متفقا عليه أو مقدراً من جهة القضاء.

ومن الامثلة التي ينطبق عليها ذلك حق العامل في الاجر العادل، وحق كل إنسان في مستوى مناسب للمعيشة من غذاء ومسكن وملبس … الخ.

ب – الواجب الكفائي:

1 – ينقسم الواجب من حيث تعين من يجب عليه إلى واجب عيني وواجب كفائي . يقول الامام القرافي : الافعال قسمان منها ما تتكرر مصلحته بتكرره ومنها ما لا تتكرر مصلحته بتكرره.

فالقسم الاول شرعه صاحب الشرع على الاعيان تكثيرا للمصلحة بتكرر ذلك الفعل كالصلوات الخمس، فان مصلحتها الخضوع لله تعالى وتعظيمه ومناجاته والتذلل له والمثول بين يديه والتفهم لخطابه والتأدب بآدابه وهذه المصالح تتكرر كلما كررت الصلاة.

والقسم الثاني كانقاذ الغريق فانه إذا انتشل من البحر فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئا من المصلحة، وكذلك كسوة العريان واطعام الجيعان ونحوهما فجعله صاحب الشرع على الكفاية نفيا للعبث في الافعال إذ لا فائدة في الاعيان بالنسبة لها.

وعلى ذلك يكون الواجب العيني هو ما يطلب فعله شرعا من كل فرد من المكلفين بعينه، ولا يكتفى فيه بقيام الآخرين به، وذلك كأركان الإسلام الخمسة وبر الوالدين وصلة الرحم، وانما سمي عينيا لان كل مكلف يتوجه إليه بعينه الخطاب ولا تبرأ ذمته إلاّ يفعله، فلو أدته الامة جميعا دونه لما سقط عنه التكليف به.

اما الواجب الكفائي فهو ما يطلب فعله شرعا من مجموع المكلفين لا من كل فرد على حدة، وذلك كفريضة الجهاد في سبيل الله مالم يتطلب الموقف دفاع كل قادر، والصلاة على الموتى، والافتاء ورد السلام، والشهادة إذا توقف عليها ظهور الحق وكانت شهادة البعض كافية في اظهاره، وما إلى ذلك من كل واجب يتحقق الغرض منه بقيام بعض المكلفين به، وانما سمي واجبا كفائيا لانه يكفي في حصول المطلوب به قيام بعض المكلفين بفعله دون البعض ولهذا فان ذمة من لم يفعل هذا الواجب تبرأ بفعل غيره وان لم يقم به احد مطلقا فان الاثم واقع على الجميع.

2 – وفروض الكفايات تشمل الأمور الدينية والدنيوية، وقد خالف امام الحرمين والغزالي في الأمور الدنيوية إذ رأيا أن الطبع يحث عليها فاغنى عن حث الشرع بالايجاب والراجح اعتبارها من فروض الكفايات. وسنعود إلى تفصيل ذلك فيما بعد.

3 – والتقسيم إلى الكفاية والاعيان كما يكون في الواجبات يكون في المندوبات كالأذان، والاقامة، والتسليم، والتشميت، وما يفعل بالاموات من المندوبات فهذه على الكفاية.

وعلى الاعيان كالوتر، والفجر، وصيام الايام الفاضلة، وصلاة العيدين، والطواف في غير النسك ، والصدقات.

4 – وقد تكون الجزئية الواحدة فرض عين في حالة وفرض كفاية في حالة أخرى، فإذا تعين لاظهار الحق فرد بذاته كان اداء الواجب عينيا، فإذا لم يكن في الجهة إلاّ طبيب واحد لا يحصل علاج المريض بدونه كان قيامه بهذا العلاج عينيا، وكذا بالنسبة للإفتاء والإرشاد والامر بالمعروف، فالمناط في اعتباره كفائيا أو عينيا هو امكان تحقق المصلحة أو المطلوب الشرعي بغيره أو تعينه هو، ومع صيرورته واجباً عينياً فان اصله واجب كفائي إذ يسقط عنه التكليف بفعل الغير ولم يطلب فعله من كل فرد اصلا.

5 – وقد يكون التكليف كفائيا ثم ينقلب عينيا كما إذا كان في البلدة عدة اطباء ووجد المريض، ثم ارتحل الاطباء إلاّ واحداً، أو ماتوا إلاّ واحداً قبل علاج المريض ، فالتكليف بالعلاج كان كفائيا عند وجود الاطباء في البلدة ولم يكلف به واحد منهم بعينه، ولما انفرد واحد منهم في البلدة تعين هو للتكليف بالعلاج واصبح عينيا عليها، ومثل ذلك يقال في جميع الواجبات الكفائية عندما يجري فيها مثل ذلك.

6 – وعلى الجملة فان الواجب الكفائي يتميز عن الواجب العيني بقصد الشارع ونظرته إلى كل منهما، فالقصد من الواجب الكفائي وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب المصلحة أو درء المفسدة بقطع النظر عمن يصدر منه، فإذا وقع الفعل على الوجه المطلوب ارتفع التكليف به سواء وقع من فرد أو اكثر، ومن أي فرد كان. وهذا بخلاف الواجب العيني فان نظرة الشارع فيه إلى نفس المكلف ولذا فان الخطاب يتجه إلى الفاعل نفسه حتّى إذا عجز عن القيام بالفعل لم يطلب الشارع وقوعه من غيره لأن المصلحة التكليفية ترجع إلى نفس المكلف.

7 – وقد اختلف في مزية القيام بفرض الكفاية على القيام بفرض العين: يقول الزركشي:

قال في الروضة : للقيام بفرض الكفاية مزية على القيام بفرض العين من حيث انّه اسقط الحرج عن نفسه وعن المسلمين.

وقد قال الامام في الغياثي : ان القيام بفرض الكفاية افضل من فرض    العين لأنه لو ترك المتعين اختص هو بالإثم ولو ترك الجميع فرض الكفاية أثموا ولو فعله اسقط الحرج عن الجميع.

قلت : والعبارة الاولى أحسن فانه لا يلزم من المزية الافضلية فقد يختص المفضول بأمر ويفضله الفاضل بأمور.

واما العبارة الثانية فقد أخذها الناس منه مسلمة تقليداً ولا ينبغي ذلك.

فانه ان كان المراد إذا ازدحما في وقت واحد ولا يسع الزمن إلاّ أحدهما فلا شكل في تقديم فرض العين إلاّ ان يكون له بدل، كما في سقوط الجمعة ممن له قريب ممرض، بل قالوا لو اجتمع جنازة وجمعة وضاق الوقت قدمت الجمعة على المذهب وقدم الشيخ ابو محمد الجنازة لأن للجمعة بدلا.

وان كان الوقت متسعا لهما فتقديم فرض الكفاية لا يقتضي افضليته ألا نرى انّه لو اجتمع كسوف وفرض ولم يخف فوت الفرض قدم الكسوف كيلا يفوت مع ان الكسوف سنة فلم يكن تقديمه حكما بأفضليته.

ولو كان في طواف الفرض وحصلت له جنازة كره له قطع الطواف قاله الرافعي إذ لا يحسن ترك فرض العين لغرض الكفاية.

ويدل لما ذكرنا أيضاً ان الشروع في فرض العين يلزم به حتّى لو خرج منه كان قضاء وان وقع في الوقت، وفي الشروع في فرض الكفاية لخال . وان من ترك فرض عين أجبر عليه قطعا وفي فرض الكفاية خلاف.

والظاهر ان القائلين بتفضيل الكفاية على العين اردوا به المجنس على الجنس وهو منازع بقوله صلى الله عليه وسلم: "وما تقرب اليَّ عبدي بشيء أحب اليَّ مما افترضت عليه" مع ان في تعلق فرض الكفاية بالجميع خلافا.

وأما الشبهة التي استند اليها هذا القائل فمبينة على ان العمل المتعدى افضل من القاصر وليست بقاعدة مطردة، وبتقدير التسليم فلا شك في تخصيصه بمن سبق إليه أولا، أما من فعله ثانيا فلا يكون في حقه افضل من فرض العين وان قلنا يقع فرضا لان السقوط حصل بالاول وتسمية الثاني فرضا انما هو لحصول ثواب الفرض. انتهى كلام الزركشي.

وقد أورد السيوطي المسألة وذكر ان إمام الحرمين ووالده والاستاذ أبو اسحق الاسفرايني يرون ان فرض الكفاية افضل من فرض العين، وحكاه ابو علي السنجي عن أهل التحقيق، وختم كلامه بان المتبادر إلى الاذهان خلافه.

والذي يبدو لي ان ضعف الشعور بفرضية فرض الكفاية نتيجة الخلاف في تعلقه بالجميع له دور أساس في هذه المسألة وهذا ما سنبحثه الآن .

اتفق الفقهاء على ان الواجب الكفائي إذا أتى به فرد سقط الإثم عن الباقين. وإذا لم يأت به واحد منهم أثموا جميعا.

ثم اختلفوا بعد ذلك : هل الخطاب يتجه إلى كل فرد؟ أو إلى المجموع ؟ أو إلى بعض منهم؟ أو إلى بعض معين عند الله ؟

يرى الجمهور ان الخطاب موجه للكل كما تفيده ظواهر النصوص مثل قوله تعالى : "كتب عليكم القتال" الذي هو نظير قول الله : "كتب عليكم الصيام" فكما ان الخطاب في الصيام موجه للجميع فيكون في القتال كذلك إذ لا فرق بين التعبيرين. وكذلك مثل قوله تعالى: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها" الذي هو نظير قوله جل شأنه : "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم" فان اسلوب الخطاب متحد وقد توجه الثاني إلى الجميع لا محالة فكذلك يجب ان يكون الأول.

ويؤيد هذا المذهب اتفاق الاصوليين على ان الجميع يأثمون بالترك ولا إثم إلاّ عند توجه الخطاب.

ويرى بعض الاصوليين ان الخطاب في فروض الكفاية – موجه للمجموع لا لكل فرد لانه لو كان موجها لكل فرد للزم ان يكون سقوطه عند الباقين بعمل البعض – وهو قدر متفق عليه كما سبق – رفعا لتوجه الخطاب بعد وقوعه بلا ناسخ وهو باطل.

غير ان هذا الاستدلال مردود بان سقوط الطلب بعد تحققه يمكن حصوله بغير ناسخ كما إذا حصل مقصود الشارع من الخطاب فيتعذر تحصيله مرة أخرى فينتفي الوجوب لتعذر حكمته . ونظير هذا ما إذا طلبت من احد أبنائك مثلاً ان يسقيك فسقاك الآخر فانه لا معنى لبقاء الخطاب متجها إلى الاول.

ثم ان الاستدلال لهذا الرأي مردود من ناحية أخرى بانه : "في فروض الكفاية فعل كل واحد يقوم مقام فعل الآخر فكان التارك فاعلا" أي ان الطلب على الجميع ولكن فعل الواحد يقوم مقام فعل غيره فيكون من لم يقم بالفعل فاعلا بهذا الاعتبار إذ من فعل له علاقة بمن لم يفعل جعلته في عمله بمنزلة النائب عنه، وذلك التعاون بين الجماعة في أداء الواجبات الكفائية، لأن هذه الواجبات تتعلق أكثر أحوالها بمصلحة الجماعة والجماعة باعتبارها كُلاًّ يتعاون آحاده مخاطبة بهذا الواجب، ولكن لا يقوم به الا البعض . فلا حجة فيما قاله هذا الفريق.

ومن الاصوليين من يرى ان الخطاب موجه لبعض المكلفين لا كلهم، وهم من غلب على ظنهم ان غيرهم لم يقم بالمطلوب أو لا يقوم به، فهذا البعض وان لم يكن معينا وقت الخطاب فانه قد تعين بمقتضى ما غلب على ظنه، ويستدلون على ذلك بأن بعض هذه الواجبات وجهت فعلا إلى بعض افراد الامة دون تعين لاشخاصهم وذلك في قول الله تعالى : "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم" إذ مدلولها أمر من الشارع بأن تنفر من كل فرقة طائفة لطلب الفقه.

وهناك من الاصوليين من قال بأن المخاطب بالواجب الكفائي معين عند الله، وهو قول لا دليل عليه، بل ظاهر البطلان وإلاّ لتحقق ان بعض المكلفين لا يعلمون ما كلفوا به.

بقي الرأيان الأول والثالث ولا يصعب التوفيق بينهما:

يقول القرافي ان المقصود بالطلب في فرض الكفاية إنما هو إحدى الطوائف غير ان الخطاب يتعلق بالجميع اول الامر، لتعذر خطاب المجهول، فلا جرم سقط الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف ولا تأثم طائفة معينة إذا غلب على الظن فعل غيرها، ويأثم الجميع إذا تواطؤوا على الترك. ويقول الشاطبي: يصح ان يقال انّه واجب على الجميع على وجه من التجوز لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة فهم مطالبون بسدها على الجملة فبعضهم قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلا لها، والباقون وان لم يقدروا عليها فهم قادرون على إقامة القادرين، ثم وضح ذلك بمسألة الولاية فبين ان من قدر عليها فهو مطلوب بإقامتها ومن لم يقدر مطلوب بإقامة القادر وإجباره على القيام بها.

ويشرح د . مدكور ذلك بمثال ما يقع من إجبار الافراد على اختيار ممثلي الشعب والحاكم فان إقامة القادرين على تمثيل الشعب لا تكون إلاّ نتيجة الانتخاب فها هنا صنفان: ممثلو الشعب وهم بقية الأفراد الذين يستطيعون إقامة القادرين. وينتهي الشاطبي إلى انّه : "بهذا الوجه يرتفع مناط الخلاف فلا يبقى للمخالفة وجه ظاهر".

ولا يوافق د . مدكور على ان هذه الجزئية هي مناط الخلاف، وانما مناطه في رأيه فيما إذا تعدد من هو أهل للقيام بالواجب كما في مسألة الولاية وفي مسألة الاطباء التي مثل بها هل يكونون جميعا مكلفين ؟ وهل غير القادرين يدفعونهم جميعا ام يدفعون بعضا منهم؟ وهذا في رأيه محل البحث والخلاف، وبذا لا يكون الخلاف قد ارتفع.

ونرى ان المسألة تتداخل فيها قاعدتان : قاعدة الواجب الكفائي التي تجعل القادر مطالبا بإقامة الواجب، وقاعدة أداء الأمانات إلى اهلها التي تجعل من واجب غير القادرين حسن الاختيار بين القادرين إذا تعددوا بحيث يقدم منهم أصلحهم لأداء العمل المطلوب فان هذا الاختيار هو من أداء الأمانات المطلوب في الآية الكريمة .

ولقد بين الشاطبي ان مواهب الناس مختلفة، وقدراتهم في الأمور متباينة ومتفاوتة، فهذا قد تهيأ للعلم، وهذا للادارة والرئاسة، وذلك للصناعة أو الزراعة، وهذا للصراع ، والواجب ان يربَّى كل امرئ على ما تهيا له، حتّى يبرز كل واحد فيما غلب عليه ومال اليه، ويقول:

وبذلك يتربى لكل فعل هو فرض كفاية قوم، لأنه سير أولا في طريق مشترك، فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج اليها في الجملة، وان كانت به قوة زاد في السير إلى ان يصل إلى اقصى الغايات في المفروضات الكفائية، وبذلك تستقيم احوال الدنيا وأعمال الآخرة، فانت ترى ان الترقي في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد ولا هو على العامة باطلاق، ولا هو على البعض باطلاق، ولا هو مطلوب من حيث القاصد دون الوسائل ولا بالعكس، بل لا يصح ان ينظر فيه نظر واحد، حتّى يفصل بنحو من التنصيل، ويوزع أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع، وإلاّ ما انضبط القول فيه بوجه من الوجوه.

وبهذا يتبين ان تحقيق الفروض الكفائية واجب على الجميع، وكل بقدر ما تهيئه له قدرته ، فالقادر عليه ان يقوم بالعمل بالفعل، وغير القادر عليه ان يمكن القادر، وبذلك يكون تحقق العمل قد وقع من الجميع في الجملة، وتصدق كلمة جمال الدين الحلي من ان من لم يقم بالفعل قد قام به بقيام غيره بهذا الفعل.

9 – وأمثلة فروض الكفاية كثيرة:

وقد سبق ان قلنا انها تنقسم إلى ديني ودنيوي:

فالديني : ما يتعلق بأصول الدين وفروعه:

مثل القيام باقامة الحجج والبراهين القاطعة على اثبات الصانع وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه، واثبات النبوات، ودفع الشبه والمشكلات.

والاشتغال بعلوم الشرع من تفسير وحديث وفقه، والتبحر في ذلك.

وتصنيف الكتب لمن منحه الله فهما واطلاعا.

وحفظ القرآن والحديث ونقل السنن.

والاجتهاد فلو اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وان قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه واشرفوا على خطر عظيم.

وتعليم الطالبين والافتاء.

وتولية القضاء.

وتحمل الشهادة واداؤها.

وتولي الامامة العظمى .

والجهاد حيث الكفار مستقرون في بلادهم، اما إذا ديست ارض الإسلام ففرض عين.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يختص بأرباب الولايات.

ودفع ضرر المحاويج من  المسلمين من كسوة وطعام إذا لم تندفع بزكاة أو بيت مال، ومثله محاويج أهل الذمة.

واغاثة المستغيثين في النائبات.

واقامة الجماعة والأذان والإقامة.

وغسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم.

والتقاط المنبوذ.

ورد السلام حيث المُسّلَّم عليه جماعة.

وجهاد النفس ليرقى بجهادها في درجات الطاعات ويطهر ما استطاع من الصفات ليقوم بكل اقليم رجل من علماء أهل الباطن كما يقوم به رجل من علماء الظاهر كل منهما يفيد المسترشد على ما هو بصدده فالعالم يقتدى به والعارف يهتدى به. وهذا ما لم يستول على النفس طغيانها وانهماكها في عصيانها فان كان كذلك صار جهادها فرض عين بكل ما استطاع فان عجز عنها استعان عليها بمن يحصل له المقصود من علماء الظاهر والباطن بحسب الحاجة وهو  اكبر الجهادين إلى ان ينصره الله تعالى.

والقسم الدنيوي. كالحرف والصناعات وما به قوام المعاش والشراء والحرثة وما لابد منه حتّى الحجامة والكنس، وعليه عمل الحديث: "اختلاف أمتي رحمة للناس" ومن لطف الله عزوجل ان جبلت النفوس على القيام بها.

ولو فرض امتناع الخلف منا أثموا . ولم يحك الرافعي والنووي فيه خلافا.

وقد صار الامام والغزالي إلى أنها لا تعد من فروض الكفاية محتجين بان الطبع يحث عليها فأغنى عن حث الشرع بالايجاب.

وعد الغزالي في الوسيط من فروض الكفاية المناكحات وهو مشكل على طريقته في الصنائع لأن الطبع يحث عليها.

كما عدوا من فروض الكفاية الاشتغال بعلم الطب، وألحق به وفاقا للغزالي الحساب.

10 – وهذه الأمثلة التي ضربها الفقهاء انما هي على سبيل المثال وهي ما يناسب حاجات مجتمعاتهم، وبالإمكان ان نضيف اليها قائمة أخرى مما استجد من حاجات في عصرنا، ومعظمها مما يقع في القسم الدنيوي، اما في القسم الديني فلا تعدو الاضافات ان تكون صوراً جديدة من المصالح الدينية التي نص عليها العلماء قديما.

ففي القسم الديني:

ـ التركيز على دفع الشبهات التي تثيرها المذاهب الفكرية المعاصرة.

ـ التجديد في وسائل اقامة الحجج والبراهين وفقا لمنطق العصر وعلومه.

ـ الاشتغال بعلوم الشرع من منطلق تطبيقها على الحياة المعاصرة.

ـ تصنيف الكتب وفقا لمخطط يسد الثغرات الناشئة عن توقف الحياة الفكرية بسد باب الاجتهاد لعدة قرون.

ـ استخدام مختلف الوسائل في تيسير وصول القرآن والحديث والعلوم الشرعية إلى الناس من موسوعات ومعاجم وفهارس وأدمغة الكترونية ووسائل الاتصال الأخرى.

ـ اقامة مؤسسات الاجتهاد الجماعي، ومؤسسات اعداد المجتهدين بما يكفل ازدهار الاجتهاد واداءه وظيفته.

ـ اقامة مؤسسة الامامة بما يكفل وحدة المسلمين وتعاونهم وتطبيق الشورى.

ـ الاكتفاء الذاتي في الصناعات الحربية بما يكفل القيام بواجب الاعداد دون اعتماد على غير المسلمين.

ـ تعميم الاعداد والتعبئة الشاملة للأمة بما يكفل دفع العدوان عنها وحماية السلام العادل.

ـ اقامة مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن أنظمة متخصصة متطورة تكفل تحقيق الوظيفة دون تعسف في الفهم أو إساءة في الممارسة ، ومع بقاء دور الأفراد كاملا غير منقوص وكفالة وتنظيم قيامهم بهذا الواجب.

ـ وضع النظم وإقامة المؤسسات الكفيلة بتأمين ضرورات المعيشة من غذاء وكساء ومسكن وصحة وتعليم مجانا لغير القادرين وتنظيم التأمينات الاجتماعية بكافة صورها لجميع المواطنين.

وفي القسم الدنيوي:

ـ تحقيق الاكتفاء الذاتي في جميع المجالات الاقتصادية بدءاً بالضروريات من زراعة وصناعات لمتطلبات الغذاء والملبس والمسكن والصحة والتعليم بما يكفل الاستقلال الاقتصادي للأمة الإسلامية وتيسير هذه الضروريات مجاناً لغير القادرين وباسعار معقولة للقادرين.

إقامة المعاهد التعليمية ومؤسسات البحث العلمي والنظم التدريبية الكفيلة بتقدم الأمة في جميع المجالات وتكوين العناصر المتخصصة المدربة اللازمة لتغطية هذه المجالات.

وضع النظم الكفيلة بتعبئة المدخرات والفوائض وتوجيهها للاستثمار في هذه المجالات ووضع الحوافز الربحية والضريبية المعينة على ذلك.

إقامة المؤسسات الاقتصادية والمالية والمصرفية في إطار الشريعة ووفق مبادئها.

حـ ـ كل حل يقابله واجب:

لعله قد اتضح مما سبق ذكره ان الشريعة حين قررت حقوقا ورخصا قد فرضت مقابلها واجبات تكفل الوفاء بهذه الحقوق والرخص، ذلك ان من أركان الحق من عليه الحق، وبالنسبة لمن عليه الحق يتمثل ذك في واجب يقع على عاتقه للوفاء بالحق الذي للطرف الآخر . وهذه هي الناحية التي تتميز بها الشريعة في مجال حقوق الانسان ـ ضمن أمور أخرى ـ عن النظم الأخرى التي تكتفي بايراد الحقوق كشعارات لا ترتب سوى التزام الدولة السلبي بعدم أو بمنع التعرض ، وحتى حين تقدمت إلى تصور دور ايجابي للدولة وقف الأمر عند الالتزام السياسي دون الالتزام القانوني الذي يجيز مقاضاة الدولة لاقتضاء هذه الحقوق.

وحتى نتصور مختلف أبعاد الموضوع في الشريعة، يحسن ان نجمع بين الأحكام المتعلقة بحق الله وحق العباد والأحكام المتعلقة بالواجب العيني والواجب الكفائي إذا باجتماع هاتين المجموعتين تتضح نظرة الإسلام إلى حقوق وواجبات الجماعة فحق الله هو حق الجماعة والواجب الكفائي هو واجب الجماعة.

وحتى نغطي كافة احتمالات الموضوع نعرض للحالات الأربعة التي لا يخرج عنها:

1 – حالة حق الفرد تجاه فرد آخر.

2 – حالة حق الفرد تجاه الجماعة.

3 – حالة حق الجماعة تجاه الفرد.

4 – حالة حق الجماعة تجاه الجماعة.

فمن النوع الأول : حق النفقة للزوجة على زوجها، ونفقة الأقارب ، وحق العامل تجاه رب العمل، وحق الشريك في الأخذ بالشفعة، وحق الجار تجاه جاره، وحق الطلاق، وحق الابن في الانتساب إلى ابيه، وحق المالك تجاه من يعتدي على ملكه سواء كان داراً أو حقا من حقوق الملكية الأدبية والفنية.

ومن النوع الثاني: حق الفقير وغيره من المستحقين تجاه بيت المال، وحق الفرد تجاه الجماعة بخصوص المباحات العامة، وحريات الأفراد المختلفة كحق التملك وحرية التنقل وحرية الفكر وحق الشورى وحق المساواة وحق الحياة.

ومن  النوع الثالث: حق بيت المال تجاه من تجب عليه الزكاة، وعند الحاجة لكسوة العاري وإطعام الجائع وإعانة الجنود النظاميين إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال، وفريضة الجهاد، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكليف من تحتاجهم الأمة في الحرف والصناعات المختلفة.

ومن النوع الرابع:

حق المؤسسات العامة التي تقوم بالخدمات العامة أو واجبات الكفاية تجاه الدولة في تغطية نفقاتها وحماية نشاطها وذلك إذا كانت لها شخصية معنوية مستقلة، أما إذا كانت ادارة من ادارات الدولة فتكون الشخصية المعنوية واحدة ولا يتصور لأحد أجزائها حق تجاه الكل بالمعنى الذي يصل إلى المطالبة القضائية وانما يتم تدبير شؤونها بالطريق الاداري الهرمي الذي يرجع في النهاية إلى رأي ولي الأمر.

وسنرى في الفصل الخاص بالأحكام مدى ما تتمتع به هذه الحقوق من ضمانات وحماية خاصة لحق المطالبة القضائية.

د – قد يكون الأمر الواحد حقا للشخص وواجبا عليه في نفس الوقت:

كثيرا ما تتأكد المصلحة ـ خاصة كانت أو عامة ـ بحيث تتدخل الشريعة بحكم تكليفي فيما كان مجرد حق شخصي.

من ذلك حق العمل والزواج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشورى.

ـ فالعمل حق للفرد على الجماعة ان تيسر للفرد حصوله عليه بتيسير أدواته ورأس ماله، وهو واجب في نفس الوقت على القادر "القوى المكتسب" بتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم.

ـ والزواج حق للفرد على الجماعة ان تيسره للفرد ان عجز عن تكاليفه حتّى تعينه عن ان يعف نفسه به، وهو في نفس الوقت واجب ان كان يخشى على نفسه الفتنة.

والامر بالمعروف والنهي عن المنكر حق للفرد على الجماعة ان تيسر قيامه به وتعينه عليه، وقد يكون موجها إلى ولي أمر أو غيره من أصحاب الولايات، وهو في نفس الوقت واجب عليه ولا يختص بأصحاب الولايات، ولا بالعدل ولا بالحر ولا بالبالغ ولا يسقط بظن انّه لا يفيد أو علم ذلك عادة، مالم يخف على نفسه أو ماله أو على غيره مفسدة أعظم من ضرر المنكر الواقع كما يقول السيوطي في الاشباه والنظائر.

ـ والشورى حق للفرد ان يقوم المجتمع على اساسها وان يشارك حسب طاقته في مختلف مؤسساتها، ومن واجب الجماعة تمكينه من ذلك، وهي في نفس الوقت واجب عليه حتّى لا يستبد بالأمة مستبد، وهي اوجب على صاحب الرأي والاختصاص والمكانة.

ـ وواضح من الأمثلة السابقة انّه لا تعارض بين كون الفعل الواحد حقا وواجبا في نفس الوقت بل ان هذا تأكيد لتحقيق الفعل لما يترتب عليه من مصلحة، وغالبا ما يكون الواجب دينيا والجماعة تعين الفرد على أدائه،كما في فريضة طلب العلم فعلى الفرد واجب التعلم وعلى القادر واجب تعليمه.

هـ ـ الأمر الواحد قد تجري عليه الأحكام الخمسة وفقاً للظروف:

بل قد تعتريه الأحكام السبعة على رأي الحنفية في تقسيم الحكم التكليفي: فالفعل الواحد قد تعتريه هذه الاحكام كلها أو بعضها بحسب ما يلابسه.

ـ فمثلا الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية وتيقن من حال نفسه انّه إذا لم يتزوج زنى.

ـ ويكون واجبا إذا قدر على ما ذكر وخاف انّه إذا لم يتزوج زنى.

ـ ويكون مندوبا إذا كان قادرا على واجبات الزوجية وكان في حال اعتدال لا يخاف ان يزني إذا لم يتزوج.

ـ ويكون محرما إذا تيقن انّه إذا تزوج يظلم زوجته ولا يقوم بحقوق الزوجية.

ـ ويكون مكروها تحريما إذا خاف ظلمها.

و ـ سلطة ولي الأمر في تغيير الحكم بين الإباحة والوجوب والتحريم:

طاعة ولي الأمر واجبة لقول الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء والآية تعم الصنفين على ما ذهب إليه المحققون . ولطاعة ولي الأمر شروط منها.

1 – ان يكون الأمر ضمن حدود ولايته فلا طاعة له فيما يتعلق بشخصه أو بشخص المأمور.

2 – ان يكون راجعا إلى مصلحة "فتصرف الامام على الرعية منوط بالمصلحة".

3 – الا يكون في معصية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على المرء المسلم السمع والطاعة مالم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لبشر في معصية الله" وقوله: "انما الطاعة في المعروف" وهذه القاعدة الشرعية تسري على عامة الناس وتسري كذلك على الموظفين في الدولة مدنيين وغيرهم كما تسري على العسكريين، فأمر الرئيس أيّا كان ليس سببا مبيحا لمخالفة الشريعة، إذ الشريعة لها السيادة العليا.

وقد بحث العلماء تفصيل هذه الشروط الاخيرة وانتهوا إلى مايلي :

1 – لا خلاف في ان المعصية المتيقنة لا تجيز الطاعة.

2 – وتفريعا على ذلك فان الحكم الاجتهادي الذي يحتمل الخطأ والصواب لا يكون في الامتثال له معصية متيقنة، وعلى ذلك تجب طاعة ولي الأمر في المسائل الاجتهادية. وهذا رأي جمهور الفقهاء على خلاف بعض من اشار اليهم الاكوسي في تفسيره ممن لم يروا وجوب طاعة الامراء في المباح وقولهم فاسد لا دليل عليه.

3 – وفي اطار سلطة ولي الامر في الحكم الاجتهادي بحثوا في سلطته في تغيير الأحكام. ونقل بعض الأحكام إلى بعض أمر معروف في الشريعة الإسلامية بالنسبة للأحكام الظنية تبعا لتغيير العلل أو الأزمنة أو الامكنة ومسايرة لأعراف الناس ومصالحهم، وهذا النقل يكون ممن له قدرة التصرف في الاحكام الظنية وربطها بمصالح الناس وهذا يبنى على أدلة وامارات نصبها الشارع ومعروفة في كتب أصول الفقه.

4 – وتصرف ولي الأمر في الأحكام يدور بين الأنواع الثلاثة التي يعقل ان يكون له تصرف فيها وهي الواجب والحرام والمباح، وليس من المعقول ان ينظر ولي الأمر في التغيير إلى المندوب أو المكروه كما يظهر بأدنى تأمل فانهما مما يتعلق بما بين العبد وربه من طلب القربة.

فلولي الأمر اذن ان ينقل كل حكم من هذه الاحكام إلى مقابليه، فينقل الوجوب إلى الاباحة أو التحريم، كما ينقل التحريم إلى الاباحة أو الوجوب ، كما ينقل الاباحة إلى الوجوب أو التحريم، وكل هذا فيما لم يرد فيه نص قطعي أو حكم اجماعي، وانما كان الحكم فيه ظنيا مبنيا على الاجتهاد بمقتضى القرائن والامارات.

5 – وولي الأمر إما ان يكون مجتهدا وإما غير مجتهد، وهذا إما ان يرجع إلى المجتهدين ويأخذ عنهم الأحكام الاجتهادية واما لا.

فان كان مجتهداً أو المجتهد مرجعا له في تلك الاحكام فان من حقه ان ينظر في تغيير الاحكام على وفق المصالح والمفاسد من غير ان يصطدم مع قاعدة مباحاً أو ممنوعاً لان ما كان يقتضي وجوبه تغير باقتضاء آخر يؤدي إلى احد النوعين الآخرين وهكذا، وعند ذاك يصير ما رآه ولي الامر حكما شرعيا ظنيا ويوصف بالاباحة أو الحرمة بعد ان كان الحكم الشرعي فيه الوجوب الظني أيضاً لان التغيير لا يكون إلاّ في حكم ظني.

وهذا التغيير قدر مشترك بين ولي الأمر وبين غيره من المجتهدين، إلاّ ان لتغيير الحاكم صفة أقوى من تغيير المجتهد الذي لا يعدو بوصف الاجتهاد وحده ان يكون مفتيا أو معلما ، واما وصف الإمرة يعطي تأكيد الحكم ووجوب الأخذ به لجهتين: جهة العلم والمعرفة، وجهة الحكم والإمارة. ولهذا يقول الآمدي : "اتفقوا على ان حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية" ويقول القرافي: "حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية لا ينقض" فالحاكم المجتهد أو الآخذ عن بعض المجتهدين يعتبر حكمه اجتهاديا غير ملزوم ولا واجب الاتباع في ذاته إذا كان على سبيل الافتاء وإبداء الرأي، ولمن يعتقد ذلك ان يفتي بخلافه، ولكنه إذا أمر باتباعه وجبت طاعته امتثالا لأمر الشارع ما دام واليا فإذا تغيرت وسِع الناس الأخذ برأي اجتهادي آخر.

ويقول القرافي أيضاً "ان حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم وتتغير فتواه بعد الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء".

وأما إذا لم يكن ولي الأمر مجتهدا ولا آخذاً من مجتهد فيما يراه من التغيير والتبديل في الأحكام حتّى الظنية فليس ذلك من حقه لأنه مخالفة لحكم الله وليس بتغيير معتبر في الفقه والشريعة، إذ أساس التغيير المعتبر هو الاجتهاد من أهله. وإذا اقدم الحاكم على هذه المخالفة ودعا الناس إلى اعتبارها تشريعاً فليس على أحد بل ليس لأحد ان يأخذ بما رآه، ولا يلتفت إليه في هذا إلا ان يأمر ظلما بالاخذ بما قاله فيرجع الأمر إلى طاعة الحاكم، وحكمها في الشريعة انها لا تجب إلا إذا أمر بطاعته ويجوز امتثال أمره في المعصية إذا ترتب على مخالفته ضرر اكبر، وتكون الطاعة هنا من قبيل اتقاء شره والبعد عن جوره والخلاص من بطشه.

ونوردُ بعض الأمثلة – مما له صلة بحقوق الإنسان – من تصرفات الخلفاء في صدر الإسلام:

أكل اللحوم المشروعة مباح بنص الشارع في النصوص المطلقة التي تقول : "كلوا من طيبات ما رزقناكم" وقوله: "أحلت لكم بهيمة الأنعام" من غير تقييد ببعض الأيام دون بعضن ودرج المسلمون على ذلك منذ عهد النبوة، وفي خلافة عمر رأى ان يمنع الناس من أكل اللحم يومين متتاليين فكان يأتي مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع، ولم يكن بالمدينة مجزرة غيرها فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرة وقال: الا طويت بطنك يومين.

كان عمر قد حجر على اعلام قريش من المهاجرين ان يخرجوا من المدينة إلا بإذن ، والى أجل وذلك حرصا منه على ان يظلوا على اوضاع الإسلام الأولى غير مختلطة، ولا مفتونين في دينهم إذا نظروا إلى الدنيا وزخارفها خارج المدينة، ولما جاء عثمان فك هذا الحصار الجزئي وأطلقهم يتقلبون في الارض كما يشاؤون. فعمر حظر عليهم ما كان مباحا لهم لهذه النظرة الحكيمة وكانت نظرته اجتهادية، ولكن عثمان في ولايته رأى خلاف ذلك ولم يتقيد بنهي الخليفة السابق.

وقد فعل معاوية عكس ما فعله عمر، إذ أمر في خلافته بترحيل العرب إلى الشام ليعتزبهم ويمزج أهل الشام بالعرب فيأمن شرهم وانتقاضهم ، مع ان حق كل شخص ان يبقى في بلده ولا يهاجر منها إلا برغبته.

منع عمر كبار الصحابة من تزوج الكتابيات وقال: أنا لا أحرمه ولكني أخشى الاعراض عن الزواج بالمسلمات، وفرق بين كل من طلحة وحذيفة وزوجتيهما الكتابيتين. فالزواج بالكتابية مباح عند من فعله من الصحابة لأن النهي عن نكاح المشركات لا يشمله، ومع ذلك فقد رأى ولي الامر المصلحة في منعه، وان كان لا يحرمه، والتزم بأمره صحابيان من أهل الاجتهاد.

جعل الله للمؤلفة قلوبهم سهما من مصارف الصدقات . وقد طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض من رأى تأليف قلوبهم للاسلام ، وفي عهد أبي بكر، اعترض عمر على ما همَّ به ابو بكر من إعطاء بعض هؤلاء الذين كانوا يتألفون للاسلام، وقال: ان الله أعز الإسلام وأغناه عنهم، فاقتنع ابو بكر بالعدول عن إعطائهم وعدل فعلا. فعدول ابي بكر يرجع في الواقع إلى انّه كان هناك وصف يقتضي وجوب الاعطاء فهو حاجة الإسلام إلى الاعتزاز بهم فلما تغير هذا الوصف كما هو صريح عبارة عمر لم يكن هناك مجال لتطبيق هذا الحكم.

كذلك نفى عمر لنصر بن حجاج لما تشبب به النساء.

ومن هذا القبيل تحديد سن الزواج، وتدخل ولي الأمر لمنع تعدد الزوجات من غير ضرورة تقتضيه، وردع المعتدين في الطلاق بغير مبرر شرعي.

فهذه الجزئيات كثيرة جداًوقد وضعت في شأنها كتب متعددة بعنوان السياسة الشرعية.

والواقع ان هذه السياسة قد صارت أصلا من اصول التشريع يرجع اليها الولاة بالزام الناس في كثير من الاحكام التي تلائم ظروفهم ومصالحهم. وهي لا تخلو من بعض الاشكال في تطبيقها والاحتياج إلى الدقة في تصحيحها فينبغي تحري مقاصد الشريعة والرجوع إلى العلماء المختصين الامناء فيما يسن من قوانين .

 

تابع